رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
102
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
الدنيا ، وليس الغرض إلزامَ الترتيب ، ولعلّك مستغنٍ في إثبات عدم لزومه بما سمعت في خلال ذكر أصناف وجوه الترجيح ، وإن ذكر في هذا الحديث بعض الوجوه عقيب سؤال عن عدم تيسّر بعض ، فهو من باب ذكر إحدى الكفّارات على أنّه إحدى ما تجزي ، ثمّ تعقّبها بأخرى إذا أظهر عدم تيسّر تلك ، لا على لزوم تقديمها على غيرها ، وتخصيصها بالذكر لابتدارها إلى الذهن ، أو لمناسبتها لحال السائل ، مثل ذكر الصوم لمن شُوهِد من حاله الفقرُ ، وذكر إعتاق الرقبة لمن شوهد من حاله الغنى ، فلستَ ذكرتها على الوجه الذي ذكرتها لضرورة الترتيب ، بل لأنّها إحدى ما يحصل به التخلّص . وقوله عليه السلام : « ينظر فيما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به » ؛ يعني إن تمسّك كلّ واحد من المفتين برواية عنده ، ولم يرَ ما عند الآخر راجحاً على ما عنده ، فطريق الفصل أن ينظر أيّ الروايتين موافقة للكتاب والسنّة ومخالفة للعامّة ، فيأخذانها ، ويتّفقان على الإفتاء بها ، ويتركان الأخرى . والمراد بالكتاب والسنّة ، الظاهر المفيد للاطمئنان بصحّة متضمّن الخبر ، لا النصّ المعلوم المراد ، ولهذا احتيج إلى تقوية الاطمئنان بانضمام مخالفة العامّة واعتبارها أيضاً ؛ مثال ذلك خبران ورد أحدهما في مسح الرجلين ، والآخر في غَسلهما ، وكلّ منهما مرويّ عن ثقة عدل ، لا يفضل أحدهما على الآخر ، والأولى موافقة لظاهر آية « وَأَرْجُلَكُمْ » « 1 » على قراءة الجرّ ، والأخرى لظاهر الآية على قراءة النصب ، والأولى مخالفة لمذهب العامّة ، فترجّح على الأخرى . وظاهر أنّ اعتبار الموافقة للكتاب والسنّة لا يتأتّى ولا يستتبّ « 2 » للعامّي المستفتي ، ولهذا جعلناه ضابطة للمفتي ؛ ويشهد لذلك قول السائل : « أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة » إلى آخره ؛ يعني إن ادّعى كلاهما أنّهما عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ، بقي نزاعنا بلا فصل ، غير أنّا نقدر على أن نعلم بالسؤال عن الناس ما يوافق مذهب العامّة ، فقوله عليه السلام : « ما خالف العامّة ففيه الرشاد » ضابطة للمستفتي في هذه الصورة .
--> ( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 6 . ( 2 ) . لايستتب ، أي لايستقام ولايتبيّن . الصحاح ، ج 1 ، ص 90 ؛ لسان العرب ، ج 1 ، ص 226 ( تبب ) .